عبد القاهر الجرجاني

305

دلائل الإعجاز في علم المعاني

بالمعنى شيئا ، وترون أنه لا يحدث فيه مزية على وجه من الوجوه . وإذا كان كذلك ، فمن أين ، ليت شعري ، يكون أحقّ به ؟ فاعرفه . ثم إن أردت مثالا في ذلك ، فإنّ من أحسن شيء فيه ، ما صنع أبو تمام في بيت أبي نخيلة ، وذلك أن أبا نخيلة قال في مسلمة بن عبد الملك : [ من الطويل ] أمسلم ، إنّي يا ابن كلّ خليفة ، * ويا جبل الدّنيا ، ويا واحد الأرض شكرتك ، إنّ الشّكر حبل من التّقى ، * وما كلّ من أوليته صالحا يقضي وأنبهت لي ذكري ، وما كان خاملا ، * ولكنّ بعض الذّكر أنبه من بعض " 1 " فعمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال : [ من الطويل ] لقد زدت أوضاحي امتدادا ، ولم أكن * بهيما ، ولا أرضي من الأرض مجهلا ولكن أياد صادفتني جسامها * أغرّ ، فأوفت بي أغرّ محجّلا " 2 " وفي " كتاب الشعر والشعراء " للمرزباني فصل في هذا المعنى حسن . قال : ومن الأمثال القديمة قولهم : " حرّا أخاف على جاني كمأة لا قرّا " " 3 " ، يضرب مثلا للذي يخاف من شيء فيسلم منه ويصيبه غيره مما لم يخفه ، فأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال : [ من الكامل ] وحذرت من أمر فمرّ بجانبي * لم ينكني ، ولقيت ما لم أحذر " 4 "

--> ( 1 ) الأبيات في الأغاني ( 20 / 405 ) يمدح فيها مسلمة بن عبد الملك ، وجاء البيت الأول برواية أخرى لفظها : أمسلم إني يا ابن كلّ خليفة * ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض والبيت الأول في زهر الآداب ( 2 / 925 ) ، وطبقات الشعراء ( ص 64 ) ، ولسان العرب ( نفض ) ، وبلا نسبة في الإنصاف . والثاني : في تاج العروس ( بعض ) ، والثالث : في لسان العرب ( شكر ) وجاء بلفظ : ونوّهت لي ذكري وما كان خاملا * ولكن بعض الذكر أنبه من بعض ( 2 ) البيتان لأبي تمام في ديوانه ( ص 237 ) من قصيدة يمدح فيها محمد بن عبد الملك الزيّات ، وجاء البيت الثاني بلفظ : " ألفت " بدلا من " أوفت " ، والأوضاح : جمع وضح وهو الغرّة في جبهة الفرس والتحجيل . والمجهل : المفازة التي لا أعلام فيها ألفت : لقيت ، وقال الشيخ شاكر : " وأرضي " يعني دياره وديار قومه ليست بمجهل من الأرض ، يعني شهرتهم ومن ضبط " أرضى " فعلا مضارعا فقد أخطأ المعنى . ( 3 ) في جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري ( 1 / 373 ) ، وفي مجمع الأمثال ( 212 / 1 ) . ( 4 ) نكي العدوّ نكاية : أصاب منه ، ونكيت في العدوّ نكاية إذا قلت فيهم وجرحت وهزمت وغلبت . اللسان ( نكى ) . والبيت لسهم بن حنظلة في المؤتلف والمختلف للآمدي ( ص 135 ) .